عبد الملك الجويني

472

نهاية المطلب في دراية المذهب

ولو جرى الأمان من مسلم ، ولم يبلغ الخبر الكافر ، فابتدره هذا الذي أمّنه ، جاز ؛ فإن الأمان لا استقلال له قبل بلوغ الخبر . وإن خاطب كافراً بأمانٍ ، ولم يقبل ولم يردّ ، فهذا فيه تردّد ( 1 ) ، والرأي الظاهر أنه لا بدّ من قبوله ، ثم لا يشترط أن يعبر عن القبول ، بل لو أشار له ، أو بدت عليه مخايل القبول ، كفى ذلك ؛ فإن أصل الأمان إذا كان لا يفتقر إلى القول ممن هو من أهل القول ، فالقبول في معناه . ثم الأمان لا يلزم الكافر وإن قبله ؛ فإنه لا يزيد على الذمّة ، وللذمي أن ينبذ إلينا الذمة ويلتحق بدار الحرب ، وكذلك القول في المؤمَّن ، وهو لازم من جانب المسلم المؤمِّن ، كما تلزم الذمّة من جانب الإمام . 11357 - ومما يتصل بهذا أنا سنذكر - إن شاء الله تعالى - ما ينقض الذمةَ من الأمور الصادرة من الذمي في كتاب الجزية ، ونذكر أن توقع الخيانة لا يوجب نبذَ الذمة ، وإذا خاف المسلم المؤمِّن خيانةً ممّن أمّنه ، نبذ إليه الأمان ؛ فإن المبيح للأمان لآحاد الناس ما يتوقع من انتفاع المؤمِّن بأمان الكافر ، فإذا كان لا يأمن الكافر ، فلا خير في الأمان ، وقد نصّ الرب تعالى على ذلك ، فقال عز وجلّ : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ } [ الأنفال : 58 ] ، والآية في المهادنة ، كما سيأتي وصفها - إن شاء الله تعالى - فإذا جرى هذا في المهادنة ، فأمان الآحاد بذلك أولى ، وهذا يتم إذا ذكرنا المهادنة والذمة في موضعهما . ولو أمن المسلم كافراً ، فقبل أَمْنه ، وقال : لست أؤمنك مني ، فكن آخذاً حذرك مني ، وقد قبلت أمانك لي ، فهذا ردٌّ للأمان ؛ فإن الأمان لا يصح في أحد الطرفين دون الثاني . ولعلّ سبب اشتراط القبول هذا . ولا خلاف أن الأمان يقبل التعليق بالأعذار ، وسيأتي من ذلك قدرٌ صالح في مسألة العِلْج إن شاء الله تعالى .

--> ( 1 ) حكى النووي هذا التردد عن الإمام ( ر . الروضة : 10 / 280 ) .